الجاحظ

187

الحيوان

يكون وهو لا يكون ، ثم يقول إلّا أنّ ذلك صدق لقاله . إلّا أنّه يخاف السّيف عند هذه ، ولا يخاف السّيف عند تلك . وإن كانت تلك أعظم في الفرية من هذه . وبعض يزعم أنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما عذّب أطفال المشركين ليغمّ بهم آباءهم . ثمّ قال المتعاقلون منهم : بل عذّبهم لأنّه هكذا شاء ، ولأنّ هذا له . فليت شعري أيحتسب بهذا القول في باب التمجيد للّه تعالى ؛ لأنّ كل من فعل ما يقدر عليه فهو محمود ، وكل من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحا فالذي يحسن ذلك القبيح أنّ صاحبه كان في موضع أمن ، أو لأنّه آمن يمتنع من مطالبة السلطان . فكيف وكون الكذب والظّلم والعبث واللهو والبخل كلّه محال ممّن لا يحتاج إليه ، ولا تدعوه إليه الدواعي . وزعم أبو إسحاق أنّ الطّاعات إذا استوت استوى أهلها في الثّواب ، وأنّ المعاصي إذا استوت استوى أهلها في العقاب . وإذا لم يكن منهم طاعة ولا معصية استووا في التفضّل . وزعم أنّ أجناس الحيوان وكلّ شيء يحسّ ويألم ، في التفضّل سواء وزعم أنّ أطفال المشركين والمسلمين كلّهم في الجنّة . وزعم أنّه ليس بين الأطفال ولا بين البهائم والمجانين فرق ، ولا بين السّباع في ذلك وبين البهائم فرق . وكان يقول : إنّ هذه الأبدان السبعيّة والبهيمية لا تدخل الجنّة ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات ؛ فيركّبها في أيّ الصّور أحبّ . وكان أبو كلدة ، ومعمر ، وأبو الهذيل وصحصح ، يكرهون هذا الجواب . ويقولون : سواء عند خواصّنا وعوامّنا ، أقلنا : إنّ أرواح كلابنا تصير إلى الجنّة ، أم قلنا : إن كلابنا تدخل الجنّة ومتى ما اتّصل كلامنا بذكر الكلب على أيّ وجه كان ؛ فكأنّا عندهم قد زعمنا أنّ الجنّة فيها كلاب . ولكنّا نزعم [ 1 ] أنّ جميع ما خلق اللّه تعالى من السّباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم ، أو حسن المنظرة ملذّ ؛ فما كان كالخيل والظباء ، والطواويس ، والتّدارج فإنّ تلك في الجنّة ، ويلذّ أولياء اللّه عزّ وجلّ بمناظرها . وما كان منها قبيحا في الدّنيا مؤلم النظر جعله اللّه عذابا إلى عذاب أعدائه في النّار فإذا جاء في الأثر : أنّ الذّباب في النّار ، وغير ذلك من الخلق ، فإنّما يراد به هذا المعنى . وذهب بعضهم إلى أنها تكون في النّار ، وتلذّ ذلك ، كما أن خزنة جهنّم والذين يتولّون من الملائكة التّعذيب ، يلذّون موضعهم من النار .

--> [ 1 ] هذا القول نقله الثعالبي في ثمار القلوب ( 839 ) .